محمد بن جرير الطبري
194
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بين ذلك . ولا يجوز أن يكون " عوان " إلا مبتدأ . لأن قوله ( بين ذلك ) ، كناية عن الفارض والبكر ، فلا يجوز أن يكون متقدما عليهما ، ومنه قول الأخطل : وما بمكة من شُمط مُحَفِّلة . . . وما بيثرب من عُونٍ وأبكار ( 1 ) وجمعها " عون " يقال : " امرأة عوان من نسوة عون " . ومنه قول تميم بن مقبل : ومأتم كالدمي حورٍ مدامعها . . . لم تبأس العيش أبكارا ولا عونا ( 2 ) وبقرة " عوان ، وبقر عون " . قال : وربما قالت العرب : " بقر عُوُن " مثل " رسل " يطلبون بذلك الفرق بين جمع " عوان " من البقر ، وجمع " عانة " من الحمر . ويقال : " هذه حرب عوان " ، إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد مرة . يمثل ذلك بالمرأة التي ولدت بطنا بعد بطن . وكذلك يقال : " حاجة عوان " ، إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة .
--> ( 1 ) ديوانه : 119 ، وهو يخالف ما رواه الطبري ، وقبله : إني حلفت برب الراقصات وما . . . أضحي بمكة من حجب وأستار وبالهدي - إذا احمرت مذارعها . . . في يوم نسك وتشريق وتنحار وما بزمزم من شمط محلقه . . . وما بيثرب من عون وأبكار يعني : حلقوا رؤوسهم ، وقد تحللوا من إحرامهم وقضوا حجتهم ، والشمط جمع أشمط : وهو الذي خالط سواد شعره بياض الشيب . فإن صحت رواية الطبري " شمط مُحَفِّلَةٍ " ، فكأنها من الحفيل والاحتفال : وهو الجد والاجتهاد ، يقال منه : رجل ذو حفيل ، وذو حفل وحفلة : له جد واجتهاد ومبالغة فيما أخذ فيه من الأمور . فكأنه عنى : مجتهدون في العبادة والنسك . ( 2 ) جمهرة أشعار العرب : 162 ، من جيد شعر تميم بن أبي بن مقبل . والمأتم عند العرب : جماعة النساء - أو الرجال - في خير أو شر . قالوا : والعامة تغلط فتظن أن " المأتم " النوح والنياحة . والدمى جمع دمية : الصورة أو التمثال ، يتنوق في صنعتها ويبالغ في تحسينها ، والعرب تكثر من تشبيه النساء بالدمي . والحور جمع حوراء . والحور أن يشتد بياض بياض العين ، وسواد سوادها ، تستدير حدقتها ، وترق جفونها ، ويبيض ما حولها . وقوله : " لم تبأس " أي لم يلحقها بؤس عيش ، أو لم تشك بؤس عيش بئس يبأس بؤسا ، فهو بائس وبئيس ، افتقر واشتد عليه البؤس . وفي الأصل المطبوع ، وفي اللسان ( أتم ) : " لم تيأس " بالياء المثناة ، وهو خطأ .